وأحكي هنا
الزعيق المتناهي يطغى على المكان ، والضوضاء المدويّــة تضفي طابعــاً خاصــا على الرصيف المستلقي على حافتي الشارع.
والسيارات المصطفَّة طابورا مقلوبا تنسدل مع انسدال الرصيف ، الباعة المتجولون لايكفون عن الصياح وفوق رؤسهم عبوات الماء التي يرغمون المــارَّة على شرائها بالأسلوب المتعجرف الذي يتقمصون ، (بسطات المسابح ) قد حـلَّـت أو بالأصح استحــلّـت حيّزا من الفراغ المركوم هناك .
وأيضا السماء هناك تراها مقفرة النسيم ، مسلوبة الهواء ، تملؤها عوادم الدوابّ .
وأنـــا أمشي مقلوب الرأس ، مفصول التفكير ، معصوب اللسان ، لأن أبي لايطيق الرطانة التي أحترفها …
من بين الضباب الذي استولى على ذاكرتي ، وصيَّرها غباراً لايسمن ولايغني من جوع تمثل من بعيد وجه قد امتقع منذ أمد ، تتابعت نبضات القلب الواهنة ، توقفت شعرات رجلي اليسرى ، هجمت شياطين الفكر الممقوتـة ، ارتسمت ابتسامة صفراء على القناع الذي يتوشَّـح الحظ خاصَّـتي ، خصلات الفكر الوارفة قد انتصبت لتشارك الأفكار التي أخذت تدور مبعثرة ي داخلي …
انفجرت صرخة مدوية من بين أزقة الماضي العريق ، والأيام السعيدة ، واللحظات الراكضة ، لم أستطع اللحاق بأبي ، لأن بين يدي جرح قد أخذ ينزف ، وليس ثمت من طبيب . قتربت أصوات النذير المرعبة ، حاولت أن أجفل النظر عن تلك الصورة ، غيَّـرت اتجاهي نحو الجنوب اللادغ و، ولكن سرعان ماالتحمت بالقهقرى الموحلة ، ارتجفت الأوصال التي مازالت تنبض بالوصال ، تسللت نحوي غصون الخريف الجرداء ، النور الذي كنت أعجَّ به منذ أمد قد انتهى إلى بصيص معدوم ، ونسمة مقتولة …
الضجيج الذي كان يملئ السماء قد اختبىء خلف الأرض …
أبي قد تسارعت خطواته ولم أعد أرقب مرآه …
الأبيات التي كانت تتجاذبني في مسيري التائه قد هربت إلى الديوان لتخلد إلى إعداد الوجبة القادمة …
ساورتني النفس الصالحة أن أقبل ولا تدبر نحو المجهول السعيد ، والذي يحمل بين أعطافه بسمة حمرء تحتضن النور داخلها … حــرَّكت قدمي معلنا اللحاق بأفكاري التي سبقتني إلى (عبدالخالق) .
أمي أين أبي ؟
أمي أين أبي ؟
أمي أين أبي ؟
والأم تصغي لسؤال طفلها القاتل ، وتأبى أن تجيب عليه ، وتأبى نبش ذلك القبر القاتم ، وتفضل أن يبقى التابوت برُمَّتهٍ مدفوناً تحت أرضِ الوفاء ، قابعاً فوق جزيرة الأسى .
وما أن سَمِعت توسُّلَه الثاني حتّى رقَّ قلبُها ، وتحرَّك نبض وجدانها ، وطُرِق جانبُ أحزانِها .
وما هي سوى لحظات ، حتى لمِعَت دمعةٌ مُسترسِلة من تحت جفنِها الذي كوَّنت معه الجِراحُ علاقةً وطيدة ، وأخذت تسرِي في جنبَات تلك البيداء التي طالما عرَفت دروبها ، وسلكت مجاريها ، وآثارها الفائتة لم تزلْ بارحةً هنا ، حتى الساعة …
لقد رسمت على رمل الصحراء خطوطاً وأشكالاً من المأساة ، وطقوساً من التضحية ، وضروباً من الألم …
طالما تاهت هذه الدمعة هي و أخواتها في هذه الفلاة الدَّافئة ، تُقَاسي حرارةَ الألم ، وتنشُقَ لفحةَ الهزيمة …
تتعثَّـر خطواتها الشفَّـافة ، ولا تجد من يعيدها إلى قوامـها ، فلا تملِكُ سِوى الجلوس في مكانِها ، حتَّى يلتهمَها أحدُهم ، أو تجـفّ فلا تذوقُ من حُلوِ الحياة شيئا ، ولا يكون مصيرُها سِوى الظلم الصريح ، والموت المُحتَّم .
هي كذلك تسبَحُ في بحارٍ من الـذِّكـرى المُوجِعة، والجِراح الغَائرة ، ومازالت في صِراع مع النَّـفس ، وعِراكٍٍ مع الـذِّكريَات ، حتَّى بـدَّدَ ذلك السُّكون .
نِداء طفلِها الثَّـالث ، فلم تتمَالك هذه لطعنات المُتَتالية ، وهذه الصَّــرخات المتواصلة ، فما كان منها سوى أن ألقَـت بجسدها المتهالك على طفلها المشدوه ، وتسمَّــرت قدماه ، وتوقَّــفت كل خلية من خلايا جسده ، وهو لا يدري ماذا حلَّ بأمه التي انفجرت بالبكاء وأخذت تصيح وتنتحب …
هناك كانت الملحمة التي كان بطلها اليأس وضحيتها الأمل ومسرحها الأيام …
