4
سبتمبر

وأحكي هنا

   Posted by: عمر   in خواطر مبعثرة

الزعيق المتناهي يطغى على المكان ، والضوضاء المدويّــة تضفي طابعــاً خاصــا على الرصيف المستلقي على حافتي الشارع.

والسيارات المصطفَّة طابورا مقلوبا تنسدل مع انسدال الرصيف ، الباعة المتجولون لايكفون عن الصياح وفوق رؤسهم عبوات الماء التي يرغمون المــارَّة على شرائها بالأسلوب المتعجرف الذي يتقمصون ، (بسطات المسابح ) قد حـلَّـت أو بالأصح استحــلّـت حيّزا من الفراغ المركوم هناك .

وأيضا السماء هناك تراها مقفرة النسيم ، مسلوبة الهواء ، تملؤها عوادم الدوابّ .

وأنـــا أمشي مقلوب الرأس ، مفصول التفكير ، معصوب اللسان ، لأن أبي لايطيق الرطانة التي أحترفها …

من بين الضباب الذي استولى على ذاكرتي ، وصيَّرها غباراً لايسمن ولايغني من جوع تمثل من بعيد وجه  قد امتقع منذ أمد ، تتابعت نبضات القلب الواهنة ، توقفت شعرات رجلي اليسرى ، هجمت شياطين الفكر الممقوتـة ، ارتسمت ابتسامة صفراء على القناع الذي يتوشَّـح الحظ خاصَّـتي ، خصلات الفكر الوارفة قد انتصبت لتشارك الأفكار التي أخذت تدور مبعثرة ي داخلي …

انفجرت صرخة مدوية من بين أزقة الماضي العريق ، والأيام السعيدة ، واللحظات الراكضة ، لم أستطع اللحاق بأبي ، لأن بين يدي جرح قد أخذ ينزف ، وليس ثمت من طبيب . قتربت أصوات النذير المرعبة ، حاولت أن أجفل النظر عن تلك الصورة ، غيَّـرت اتجاهي نحو الجنوب اللادغ و، ولكن سرعان ماالتحمت بالقهقرى الموحلة ، ارتجفت الأوصال التي مازالت تنبض بالوصال ، تسللت نحوي غصون الخريف الجرداء ، النور الذي كنت أعجَّ به منذ أمد قد انتهى إلى بصيص معدوم ، ونسمة مقتولة …

الضجيج الذي كان يملئ السماء قد اختبىء خلف الأرض …

أبي قد تسارعت خطواته ولم أعد أرقب مرآه …

الأبيات التي كانت تتجاذبني في مسيري التائه قد هربت إلى الديوان لتخلد إلى إعداد الوجبة القادمة …

ساورتني النفس الصالحة أن أقبل ولا تدبر نحو المجهول السعيد ، والذي يحمل بين أعطافه بسمة حمرء تحتضن النور داخلها … حــرَّكت قدمي معلنا اللحاق بأفكاري التي سبقتني إلى (عبدالخالق) .

أمي أين أبي ؟

أمي أين أبي ؟

أمي أين أبي ؟

والأم تصغي لسؤال طفلها القاتل ، وتأبى أن تجيب عليه ، وتأبى نبش ذلك القبر القاتم ، وتفضل أن يبقى التابوت برُمَّتهٍ مدفوناً تحت أرضِ الوفاء ، قابعاً فوق جزيرة الأسى .

وما أن سَمِعت توسُّلَه الثاني حتّى رقَّ قلبُها ، وتحرَّك نبض وجدانها ، وطُرِق جانبُ أحزانِها .

وما هي سوى لحظات ، حتى لمِعَت دمعةٌ مُسترسِلة من تحت جفنِها الذي كوَّنت معه الجِراحُ علاقةً وطيدة ، وأخذت تسرِي في جنبَات تلك البيداء التي طالما عرَفت دروبها ، وسلكت مجاريها ، وآثارها الفائتة لم تزلْ بارحةً هنا ، حتى  الساعة …

لقد رسمت على رمل الصحراء خطوطاً وأشكالاً من المأساة ، وطقوساً من التضحية ، وضروباً من الألم …

طالما تاهت هذه الدمعة هي و أخواتها في هذه الفلاة الدَّافئة ، تُقَاسي حرارةَ الألم ، وتنشُقَ لفحةَ الهزيمة …

تتعثَّـر خطواتها الشفَّـافة ، ولا تجد من يعيدها إلى قوامـها ، فلا تملِكُ سِوى الجلوس في مكانِها ، حتَّى يلتهمَها أحدُهم ، أو تجـفّ فلا تذوقُ من حُلوِ الحياة شيئا ، ولا يكون مصيرُها سِوى الظلم الصريح ، والموت المُحتَّم .

هي كذلك تسبَحُ في بحارٍ من الـذِّكـرى المُوجِعة، والجِراح  الغَائرة  ،  ومازالت في صِراع  مع  النَّـفس  ،  وعِراكٍٍ  مع  الـذِّكريَات ،  حتَّى بـدَّدَ ذلك السُّكون .

نِداء طفلِها الثَّـالث ،  فلم تتمَالك هذه لطعنات المُتَتالية ، وهذه الصَّــرخات المتواصلة ، فما كان منها سوى  أن ألقَـت بجسدها المتهالك  على طفلها المشدوه  ، وتسمَّــرت قدماه  ، وتوقَّــفت  كل خلية من خلايا جسده ، وهو لا يدري ماذا حلَّ بأمه التي انفجرت بالبكاء وأخذت تصيح وتنتحب …

هناك كانت الملحمة التي كان  بطلها اليأس وضحيتها الأمل  ومسرحها الأيام …